أخر الاخبار

رواية في ظلال الوادي كاملة للكاتبة زيزي محمد

 رواية في ظلال الوادي كاملة للكاتبة زيزي محمد

رواية في ظلال الوادي كاملة للكاتبة زيزي محمد
رواية في ظلال الوادي 

مقتبس من الفصل الأول لرواية في ظلال الوادي:

“أرض الوادي حيث لا ينجو أحد!”

وقفت في شرفة غرفتها الواسعة تطالع الخضرة الممتدة من حولها، تتابع بنظرات شاردة نسمات الهواء وهي تداعب أوراق الأشجار برفق آسر، فتتمايل الأغصان كأنها تشاركها صمتها وتأملها، وعلى الرغم من سكون ملامحها وصفائها الظاهر، إلا أن شرودها كان أعمق من مجرد تأمل عابر؛ صفاء يشبه صفاء زرقة عينيها، تلك الزرقة التي كانت تتعلق من بعيد بمشهد ركض الخيول في المساحة الفسيحة التي تلي الحديقة الصغيرة بمسافة قصيرة، حيث تنطلق بخفة وحرية، كأنها تُجسد ما تعجز هي عن بلوغه!

قبضت بيديها الصغيرتين على السور الحديدي البارد، وكأنها تستمد منه ثباتًا تفتقده في داخلها، وغاصت في أفكار متشابكة لم تشعر معها بمرور الوقت، ولا بباب غرفتها وهو يُفتح بهدوء، ولا بدخول خادمتها “صفية” التي حاولت مرارًا أن تستعيد انتباهها دون جدوى، نادتها بصوت خافت ثم أعلى قليلًا، لكن “چيني” ظلت أسيرة أفكارها حتى اضطرت صفية أخيرًا إلى الاقتراب منها، فوضعت يدها على كتفها وربتت برفق، فلامست خصلات شعرها البنية القصيرة المنسدلة عند كتفها.

التفتت “چيني” فجأة بفزع، واتسعت عيناها وهي تقول بلهجتها الفرنسية المتأثرة بالدهشة:

-يا ألهي! صفية، هل جننتِ؟! لقد أفزعتيني حقًا!

تراجعت “صفية” خطوة إلى الخلف وهي تبتسم ابتسامة متحفظة، تحمل شيئًا من الحرج وشيئًا من الطاعة، ثم قالت بلهجتها البسيطة غير الفاهمة لما قيل:

-والله يا ست هانم أنا مافهماكي بتقولي إيه، بس شكلك اتخضيتي.

زفرت “چيني” بقوة كأنها تُفرغ ذلك القلق العالق بصدرها، ثم رفعت يدها تعيد خصلات شعرها إلى الخلف، وجلست فوق أحد مقاعد الشرفة الخشبية، محاولة استعادة هدوئها المعتاد، ذلك الهدوء الذي طالما تميزت به، في تلك الأثناء دخلت “صفية” إلى الغرفة وعادت سريعًا وهي تحمل وشاحًا خفيفًا، ثم وضعته فوق رأس “چيني” بعناية.

تذمرت “چيني” على الفور وقد انعقد حاجباها بضيق واضح، وقالت بنبرة معترضة:

-صفية! في إيه؟ أنا قاعدة في اوضتي، ليه تلبسيني طرحة؟

زمت “صفية” شفتيها في ضيق ثم أجابت بجدية لا تخلو من العتب:

-يعني يا ست چيني بقالك أربع سنين متجوزة البارون، ومش عارفة إنه مابيطقش يشوفك من غير طرحة، وزرابينه بتطلع على اللي خلفونا.

ارتسمت ابتسامة دلال هادئة على شفتي “چيني”، وقالت بنبرة رقيقة تكاد تهمس:

-عاصم لا يمكن يزعقلي، ولو طلبه بيطلبه بهدوء وبأدب.

لوت “صفية” شفتيها بامتعاض، وتبدلت ملامحها إلى الجمود ثم قالت بنبرة صريحة لا تعرف المواربة:

-عشان هو بيعمل دايمًا لصلة القرابة وأنك بنت عمه، لكن هو لا يعرف أدب ولا هدوء لا مؤاخذة….

صمتت “صفية” قليلًا كأنها تزن كلماتها بعناية، ثم قالت بنبرة منخفضة تحمل في طياتها تهديدًا مبطنًا، أشبه بهمسة مسمومة:

-عارفة يا ست چيني لو غلطتي غلطة واحدة بس! عارفة المؤدب والهادي اللي بتقولي عليه ده! يوم ما هيحب يعاقبك هيدفنك مكانك، وأبوكي نفسه مش هيقدر يشفعلك، كل ولاد عزام كده…

توقفت مجددًا وازداد ثقل الصمت بينهما، قبل أن تقترب خطوة أخرى وتتابع بصوت سوداوي كأنه يخرج من أعماق الوادي نفسه:

-قلبهم أسود، ميعرفوش حاجة عن الرحمة، لا عندهم عزيز ولا غالي، ولا بيخافوا من حد، ولا بيهابوا إلا شرهم، يعملوا لبعض ألف حساب، بس على غيرهم يدوسوا عليه بالجزمة في سبيل مصلحتهم، متعرفيش ليهم أول من آخر، لو ضحكوا في وشك اعرفي أنهم بيدبروا ليكي فخ، ولو شرهم بان إعرفي أن نهايتك جاية جاية

شعرت “چيني” بقشعريرة تسري في عمودها الفقري، فنهضت على الفور وأدارت ظهرها لصفية محاولةً إخفاء ارتجافها، وقالت بنبرة اتخذت من اللامبالاة درعًا هشًا:

-أنتي بتأفوري صفية على فكرة، أنا قعدت هنا أربع سنين مشوفتش حاجة عن اللي بتقوليه ده، وعلى طول وادي العرين هادي ومن غير مشاكل.

أسندت “صفية” ظهرها إلى ظهر المقعد خلفها، وأطلقت تنهيدة قصيرة، كأنها تحمل أوجاع سنوات لا تُحصى، ثم قالت بصوت خفيض:

-ما هو يا هانم، أهالي الوادي غلابة والبارون بيحكمهم بأيد من حديد، في خيالك يعني الأهالي دول هيغلطوا، لا طبعًا هيعملوا ألف حساب عشان عارفين إن في أقوى منهم، احنا غلابة اوي يا هانم.

التفتت “چيني” إليها بعصبية مكبوتة، وقد بدأ هذا الحديث يُربك معدتها ويعبث بصورة زوجها “عاصم عزام” في رأسها، ذلك الرجل الذي يجمع بين لقب الزوج وحاكم وادي العرين، وقالت بحدة حاولت إخفاءها:

-انتي جاية عايزة إيه صفية؟ أنا مكنتش عاوزاكي في حاجة!

مدت صفية كفها أمامها، وتلونت ابتسامتها من هادئة إلى ماكرة، وقالت بلا مواربة:

-إيدك يا ست هانم على فلوس الشهر، البت أختي لا مؤاخذة تعبت وبتفرهد بسرعة والشهر عندها بيمر في ثانية كده، فقولت أسكتها واحط الجزمة في بوقها، أصلها بوقها لو متقفلش واتراضت، الخراب هيجي على دماغنا لامؤاخذة!

ابتلعت “چيني” ريقها بتوتر ظاهر، غير أنها تماسكت سريعًا، واستدعت ذلك البرود المصطنع الذي أتقنته بمرور السنين، ارتسمت ابتسامة غامضة على شفتيها، وانحنت قليلًا نحو “صفية” بجذعها العلوي، وقالت بنبرة ناعمة تحمل سخرية جارحة:

-انتي غلبانة أوي صفية….

ثم هتفت بلهجتها الفرنسية سريعًا، وهي تحدق في عيني “صفية” اللتين كانتا ترسلان شرارات الماضي وقراراته العبثية:

-ولكن أكثر إمرأة لديها الاستعداد الكامل لأن تعبد المال!..قذرة.

قالت كلمتها الأخيرة بابتسامتها الجميلة الرقيقة، وكأنها تُلقي شكرًا لا سبة في وجهها، فأخفت لحظة انكسار عابرة تسللت من معقل ثباتها وهدوئها، ثم استدارت دون أن تنتظر ردًا، واتجهت إلى غرفتها أخرجت رُزمًا من المال، وأشارت إليها بجدية قاطعة:

-خدي الفلوس دي لأختك وبزيادة، عشان نضمن بس إن الجزمة تفضل في بوقها.

ارتسمت على وجه “صفية” ابتسامة صفراء، فأخذت المال وضمته إلى صدرها، ثم قالت بنبرة عملية:

-البسي بقى يا ست هانم العباية وانزلي تحت عشان زمان عاصم باشا على وصول عشان ميعاد الغدا.

أومأت “چيني” بهدوء مصطنع، بينما تحركت صفية نحو الباب، وما إن اختفت خلفه حتى زفرت “چيني” بقوة، كأنها كانت تحبس أنفاسها طوال الوقت، جلست فوق فراشها وبدأت تهز ساقيها بعصبية واضحة، بينما انهمرت عليها ومضات من الماضي رغمًا عنها… وجوه…أصوات، ووعود قديمة، كانت تظن أنها دفنتها، لكنها عادت الآن تطفو على السطح، تمامًا كما لو أن وادي العرين لا يسمح لأسراره أن تموت...يتبع...

لا ندعي أننا نملك حقوق الروايه لننشرها في حالة تعدي حقوق النشر والملكية نرجوا التواصل معنا على هذا الرابط وسنقوم بإزالة المحتوى فورا وشكرا

قراءة جميع فصول رواية في ظلال الوادي من هنا👇👇:

الفصل الأول من رواية في ظلال الوادي

 الفصل الثاني من رواية في ظلال الوادي

الفصل الثالث من رواية في ظلال الوادي

الفصل الرابع من رواية في ظلال الوادي

الفصل الخامس من رواية في ظلال الوادي

الفصل السادس من رواية في ظلال الوادي

الفصل السابع من رواية في ظلال الوادي

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -